Freesia - السنة الجديدة ليست مجرد أمنيات وعبارات فارغة عن المحبة والسلام

السنة الجديدة ليست مجرد أمنيات وعبارات فارغة عن المحبة والسلام
6327

By: Freesia Staff Wed, 03 Jan 2018 04:52:18


يصُعب على امرأة هي شديدة الذوق، وكثيرة الاهتمام بتفاصيل أناقتها عندما تشتري فستاناً جميلاً، قد اختارت لونه بمشقة، وانتقت ملمس قماشه بعناية فائقة، ومن ثمَ راحت تسبح في ملكوت خيالها الأنثوي المتوهج، تطوف في مجرات الموضة والأزياء؛ لترسم لفستانها الجديد تصميماً مبهراً، ومن ثم تتفرغ لتنتقِ له العِقد الذي يتناغم ويتماهى مع ألوان خيطانه؛ لتلتف إليه أنظار من بهم فضول وتشعل فتيل الدهشة في العيون التي يجذبها الجمال؛ فمن المُحال ألا تشتري له الحذاء الجديد أو أن تعود أدراجها لتلِبس مع فستانها الجديد حذاء سبق لها وأن لبسته في مرات سابقة؛ لأنها تدرك بحدسها النسائي، بأن طوق أناقتها حتماً سيكون ناقصاً حين لا تكتمل حبّاته من الألف إلى الياء، ومن الحَلق إلى الحذاء وأن يكون كله جديداً ومنفرداً عن كل ما ارتدته من قبل.

وكذلك نحن المهتمّين بملامح أناقتنا حين نقف أمام مرآة الحياة، علينا ألا نعاود ونكرر ما قد لبسناه أمامها في السنة الماضية؛ وعيبٌ علينا وقلة ذوق منا حين لا نكلف عقولنا وقلوبنا مشقة الانتقاء.. انتقاء كلماتنا الجديدة.. ورؤانا المبهرة.. وأن نتكاسل فلا نقوم بتغيير تصاميم أفكارنا الرتيبة ولا نذهب لكي نستبدلها بحروف أجمل ورؤى لها بريق آسر ونصمم لأفكارنا أزياء بلمسة جذّابة تتناغم مع عالم الأفكار المبدعة والرؤى العصرية الخلاّقة.

فمن حق السنة الجديدة والحياة، على الجميع أن يغيّروا لأجلها نبرة حواراتهم ذات الاسطوانات العتيقة المملة، وأن يغيّروا ايقاعات أصواتهم الصاخبة والمزعجة ليضبطوها على ايقاعات الزمن المتجدد. وعليهم أن يتفقدوا في نهاية عامهم أوتار الكمنجات المتهرئة لكيلا يظل عزفهم نشازاً وكئيباً. وأن يشتروا لوجوههم للسنة الجديدة أثواب مبتسمة وينزعوا عنها الثياب العابسة والمتجهمة وأن ينتهوا من افتتاحية الموال العربي بـــ الآه الحزينة.

ومن حق السنة الجديدة على الأدباء وكل الفنانين أن ينظموا لها عقد من الأفكار المتوهجة بنور الحب وبريق الوعي المشرق، وأن يكتبوا لها مقالات بلغة مختلفة وينثروا على سفحها وسهولها قصائد بمفردات ومعان وصور شعرية بمذاق جديد. وأن يرسموا شكلاً أخر للحياة وأن يلقوا بالريشة اليابسة والألوان السوداء لتشعر الحياة بهم ويشعر من حولهم بالحياة.

ربما لم تتغيّر في أوطاننا اشياء كثيرة، ولم ينته الموت المشاع ولم يستقيل الطغاة عن وظيفة قتلهم لشعوبهم، ولم يطرأ أي تغيير ملحوظ يستدعي الاحتفاء بالسنة الجديدة وبأن الأوجاع كما هي مترامية هنا وهناك؛ لكن هذا البؤس وتلك الأوجاع التي لم ترحل لا تعطي التبرير بأن لا نصوغ للسنة الجديدة لغة مختلفة وأفكار بلون آخر؛ فعندما تتغيّر نظرتنا سوف تتغيّر لغتنا وحين تتغيّر لغتنا يتغير طعم المرار. التغيير يبدأ أولاً بالحلم ومن ثم بالأفكار ومن ثم يتم ترويج عينة الحلم في أسواق اللغة المتداولة وحين تعتاد لغة الحوار واللوحة والمقطوعة الموسيقية والقصيدة على نبرة التغيير حينها سوف يحدث التغيير.

السنة الجديدة هي ليست مجرد سهرة على رأسها يرقص الناس ويسكر الناس ويغني الناس ومن ثم ينامون ليصحو وكأن شيئاً لم يكن. لا شيء قد تغيّر سوى الرقم، هل هذا هو المعنى والمقصود من السنة الجديدة؟

السنة الجديدة ليست مجرد أمنيات ورسائل مسبقة الإعداد والتنسيق نرسلها في حافلة جماعية لمن هم حولنا. وليست عبارات فارغة عن المحبة والسلام وباقات ورد مجفف لا رائحة لها، نهديها للآخرين من باب الرياء والمجاملات المفتعلة.

كيف تكون سنة جديدة ولا جديد نفعله في السنة الجديدة؟

كيف لنا أن نسميها سنة جديدة، ولم يتجدد فيها أي شيء. لا الحوار.. والأفكار… ولا المقالات.. ولا طعم الأخبار؟

كيف ندّعي ونقول للآخرين” كل عام وأنتم بخير” والخير والسلام مجرد أمنيات وفقاعات حروف باهتة تتلاشى في اليوم الأول من السنة الجديدة؟

هل حقاً هي سنة جديدة؟ قلوبنا في نبضها العتيق؟ لم نتصالح بعد، ولم نتفق بعد، وما نزال في جدال طائفي وعنصري وعقائدي فما هو الجديد، وأين الجديد في هذه السنة؟

إن كانت تلك هي المعايير للسنة الجديدة: مجرد رقم يتغير.. ومجرد سهرة صاخبة… وأموال تهدر على الألعاب النارية…. والخمور والراقصات والمطربين والسحرة والمشعوذين فبئس السنة الجديدة.

 كل عام نحن كما نحن…


الكاتب: لؤي طه




0

صفحتنا على الفيسبوك


متابعة

تواصل معنا دائما

إشترك الآن في قائمة المتابعة ليصلك آخر الأخبار والمستجدات